hany on line
تعلم ولو شىء عن كل شىء

الدماغ والعقل

الدماغ والعقل(*)

كيف يتشكل العقل الواعي؟ سؤال كثيرا ما طرحه الفلاسفة وعلماء

الأعصاب وعامة الناس. ولا بد من أن يؤدي المزيد من التعمق

في فهم آليات عمل الدماغ إلى الإجابة عن هذا التساؤل.

<R.A.داماسيو>

 

في مطلع هذا القرن، يتضح تقدم سؤال على جميع ما عداه في علوم الحياة، ألا وهو: كيف تنبثق مجموعة السيرورات processes التي ندعوها العقل من نشاط العضو الذي ندعوه الدماغ؟ إنه ليس سؤالا جديدا، إذ سبق أن طُرِح بصيغة أو بأخرى على مدى قرون طويلة. وما إن غدا بالإمكان طَرحه دون الموت حَرْقا على خوازيق الإعدام، حتى اتخذ صفة الإشهار والإصرار. وحديثا أخذ هذا السؤال يشغل أذهان الخبراء (من علماء الأعصاب وعلماء الاستعراف cognition والفلاسفة) مثلما يشغل أذهان آخرين يتوقون إلى معرفة أصل العقل، ولا سيما العقل الواعي.

 

تحتل مسألة الوعي في الوقت الحاضر محورا مركزيا لأن البيولوجيا عموما، والعلوم العصبية خصوصا، نجحتا في استجلاء الكثير من أسرار الحياة. فقد حمل إلينا العلم عن الدماغ والعقل في عقد التسعينات من القرن العشرين (الذي يحمل اسم عِقْد الدماغ) قدرا يفوق ما توصلنا إليه طوال التاريخ السالف لعلم النفس والعلوم العصبية برمته. وأصبح استجلاء الأساس البيولوجي العصبي للعقل الواعي (الذي يعد نسخة معدلة من مسألة العقل/الجسد المأثورة(1)) يُشكل تحديا مستمرا إلى حد ما.

 

قد يثير التأمل في العقل الهيبة لدى المتأمل، ولا سيما حينما يُشكل الوعي بؤرة البحث. فبعض المفكرين، سواء أكانوا خبراء أم هواة، يعتقدون أن مسألة الوعي قد تبقى من دون جواب من حيث المبدأ. أما بالنسبة إلى البعض الآخر، فإن الزيادة الأُسية exponential والمستمرة في المعارف الجديدة قد تبعث شعورا متصلبا بأنه ما من مشكلة تستعصي على أسلحة العِلم إذا ما كانت النظرية صحيحة والتقانات فعالة بما فيه الكفاية. وسيكون الحوار مثيرا للاهتمام، بل غير متوقع، مادامت لا تبرز شكوك مشابهة حول احتمال تفسير دور الدماغ في مسؤوليته عن سيرورات مثل الإبصار والذاكرة اللتين تُشكلان عنصرين أساسيين للسيرورة الأعظم التي تتمثل في العقل الواعي.

 

إنني أقف بثبات في المعسكر الواثق من حتمية ظهور تفسير مادي لانبثاق العقل من الدماغ، وربما يكون ذلك عما قريب. ولكن الإقرار بوجود بعض الصعوبات الحقيقية يحدّ المشاعر اللجوجة لتحقيق ذلك.

 

ما من شيء مألوف أكثر من العقل. ومع ذلك، فإن السعي بحثا عن المصادر والآليات التي يرتكز عليها العقل، يستدعي القيام برحلة في معالم طبيعةٍ غريبةٍ وطريفة.

 

يتناول أول الإشكالات المنظور الذي يجب أن يتبناه المرء في دراسة علاقة العقل الواعي بالدماغ الذي نعتقد أنه ينشأ فيه. فالجسم والدماغ لأي شخص يمكن للآخرين مشاهدتهما، أما العقل فلا يلحظه إلا صاحبه. فالجسم ودماغه كيانان محسوسان بشكل جلي ويتصفان بسمات خارجية مكشوفة ومألوفة، في حين يتصف العقل بكونه ذاتيا داخليا وشخصيا وخفيا.

 

إن التقانات المستخدمة في دراسة الدماغ تتضمن صورا مسحية scans دماغية عالية الدقة وقياسات مضبوطة لنماذج النشاط في العصبونات الدماغية. ويحاج السلبيون بأن التكديس المضني لجميع هذه البيانات إنما يزيد من قرائن الحالات العقلية، ولكنه لا يتشبه بأية حالة عقلية حقيقية على الإطلاق. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن الدراسة المفصلة للمادة الحية لن تقود إلى العقل، ولكنها فقط تغني تفاصيل هذه المادة. أما فهم الكيفية التي تُولِّد بها المادة الحية حس الذات sense of self، وهو الأمر الذي يعد السمة المميزة للعقل الواعي (بمعنى الإحساس بأن الصور في عقلي هي شيء يخصني ويصاغ في منظوري)، فإنه بكل بساطة غير ممكن. ومع أن هذه الحجة غير صحيحة، فإنها تحد من حماس معظم الباحثين في العقل الواعي.

 

تبدو مشكلة العقل الواعي بالنسبة إلى المتشائمين عسيرة إلى حد اعتقادهم أنه من غير الممكن حتى تفسير سبب ارتياح العقل لشيء ما، أو لماذا تمثل السيرورات العقلية حالات داخلية أو تآثرات interactions مع أشياء خارجية. (ونشير هنا إلى أن الفلاسفة يطلقون على هذه الصفة التمثيلية للعقل مصطلح القصدية intentionality.) بيد أن هذه الجدلية زائفة.

 

ولعل نقطة الجدل السلبية النهائية تتمثل في التذكير بأن إيضاح انبثاق العقل الواعي إنما يعتمد على وجود ذلك العقل الواعي نفسه. فإجراء بحث ما بأداة هي نفسها موضوع هذا البحث يجعل تعريف المشكلة وأسلوب المقاربة لحلها أمرين معقدين على نحو استثنائي. وبالنظر إلى ما نراه من تضارب بين الدارس والمدروس، فلا يبدو أن العقل البشري يقوى على فهم الكيفية التي ينبثق بها العقل من الدماغ. إن هذا التضارب حقيقي، ولكن الظن بأنه تضارب لا يمكن تذليله أمر غير صحيح.

 

يجري باستمرار عرض عقلي متعدد الوسائط أثناء قيام الدماغ بمعالجة الوقائع الحسية الخارجية والداخلية. ففيما يجيب الدماغ عن السؤال غير المطلوب حول من الذي يستبطن العرض العقلي (أثناء أدائه) ينبثق حس الذات.

 

وفي النهاية، فإن الاستثنائية الواضحة لمشكلة العقل الواعي والصعوبات التي تعقد طرق التصدي لها تتسببان في حقيقتين، تتمثل أولاهما في إحباط أولئك الباحثين الملتزمين بإيجاد حل، وتزيد الثانية من تأكيد اقتناع الآخرين ممن يعتقدون حدسيًّا بأن الوصول إلى حل ما أمر بعيد المنال.

 

تقييم الصعوبات(**)

يزعم أولئك الذين ينوهون بعجز البحث في المادة الحية للدماغ عن اكتشاف «كُنْهُ العقل» substance of mind بأن معارفنا الحالية عن تلك المادة الحية تكفي لإقرار مثل هذا الاجتهاد. ولكن هذه الفكرة تعد أمرا غير مقبول البتة؛ إذ إن التوصيف الحالي للظواهر البيولوجية العصبية مايزال ناقصا تماما من جميع الوجوه. فمايزال علينا أن نحل تفاصيل كثيرة تتعلق بعمل العصبونات والدارات circuits على المستوى الجزيئي؛ فنحن لم نتمكن حتى الآن من فهم كيف تسلك مجموعات العصبونات داخل منطقة دماغية موضعية ما، كما أن فهمنا للمنظومات الكبيرة التي تتشكل من مناطق دماغية متعددة ناقص أيضا. ولعل ما نفعله الآن لا يتعدى بدء النظر في حقيقة احتمال أن تولِّد التآثرات بين عدة مناطق دماغية غير متجاورة حالات بيولوجية راقية التعقيد تفوق كثيرا مجرد جمع أجزاء هذه المناطق.

 

وفي الواقع، مايزال التعليل الفيزيائي المتعلق بالأحداث البيولوجية غير مكتمل. وبالتالي فإن الإعلان عن أن مشكلة العقل الواعي غير قابلة للحل بدعوى كوننا استوفينا دراسة الدماغ ولم نجد العقل، أمر يبعث على السخرية. فنحن مانزال لم نستكمل دراسة البيولوجيا العصبية ولا الفيزياء المرتبطة بها. ونورد على ذلك مثلا من المستوى الأدق في توصيف العقل، وهو أن هَيْكَلة construction العديد من الصور الحسية ومنابلتها manipulation ومراكبتها superposition بهذه السرعة قد تتطلب تفسيرًا على المستوى الكمومي (الكوانتي) the quantum level. وبالمناسبة، فإن فكرة وجود دور محتمل للفيزياء الكمومية (الكوانتية) في إيضاح العقل، وهي الفكرة التي لازمت الفيزيائي<R.پنروز>(2) [من جامعة أوكسفورد]، لا تُعتبر إقرارا بمقترحاته النوعية التي تقول بأن الوعي مبني على ظواهر من المستوى الكمومي تحدث في الإنيبيبات الميكروية (الدقيقة) microtubules التي تعتبر من مكونات العصبونات والخلايا الأخرى. صحيح إن المستوى الكمومي للعمليات التشغيلية قد يساعد على شرح كيفية وجود عقل لدينا، ولكنني لا أعتبره ضروريا لشرح كيف نعرف أننا نمتلك ذلك العقل ـ وهي القضية التي أعتبرها أكثر أهمية للتوصل إلى وصفٍ مفهومٍ للوعي.

 

يتحدد عمل الدماغ في تمثيله أشياء أخرى غيره. وتبدي دراسات أجريت على نسناس المكاك دقة كبيرة بين شكل مرئي ما (a) وشكل نمط النشاط العصبي (b) في إحدى طبقات القشرة المخية الإبصارية الأولية.

 

وغالبا ما تعكس غرابة مشكلة العقل الواعي جهلا يقيد الخيال وله تأثير غريب يجعل الممكن يبدو مستحيلا. وقد قال كاتب الخيال العلمي <C.R.كلارك> : «إن أية تقانة متقدمة بشكل كاف لا يمكن تمييزها عن السحر». وتبلغ «تقانة» الدماغ حدا من التعقيد تبدو معه «سحرية»، أو على الأقل غير معروفة. وبروز الهوة الواسعة بين الحالات العقلية والظواهر البيولوجية الفيزيائية ينجم عن التفاوت الكبير بين جُملتين من المعارف تتمثلان فيما حققناه من فهم جيد للدماغ عبر قرون من التأمل الاستبطاني introspection وجهود العلوم الاستعرافية cognitive في مقابل ما حققناه من توصيف عصبي ناقص عبر جهود العلوم العصبية. ولكن لا مبرر لنا أن نتوقع بأن البيولوجيا العصبية لا تستطيع ردم تلك الهوة. فلا شيء يشير إلى أننا وصلنا حافة هاوية قد تفصل ما هو عقلي عما هو عصبي من حيث المبدأ.

 

ولذلك، فإنني أرى أن السيرورات البيولوجية التي يُظن اليوم أنها تقابل السيرورات العقلية ما هي في الحقيقة إلا سيرورات عقلية، وسيتبين أنها هكذا حين يتم فهمها بتفصيل كاف. إنني لا أنفي وجود العقل أو أقول بأننا يوم نعرف ما يلزمنا معرفته عن البيولوجيا فإن العقل لا يعود موجودا. لكنني أعتقد فقط بأن العقل الشخصي الخصوصي باعتباره ثمينا وفريدا، ما هو في الحقيقة إلا شأن بيولوجي، وسيأتي يوم يوصف فيه بمصطلحات بيولوجية.

 

أما الاعتراض الرئيسي الآخر على فهم العقل فيتمثل في أن التضارب الحقيقي بين الملاحِظ والملحوظ observer and observed يجعل الفكر البشري غير صالح لدراسة نفسه. ولكن من المهم أن نلفت النظر إلى أن الدماغ والعقل ليسا قطعة صلدة لا تتجزأ، بل يمتلكان مستويات بنيوية متعددة يكون أرقاها تلك المستويات التي تبدع أدوات تسمح بملاحظة المستويات الأخرى. فعلى سبيل المثال، وهبت اللغة الدماغ قوة تبويب المعارف واستخدامها طبقا لمبادئ منطقية، الأمر الذي يساعدنا على تصنيف الآراء بين صحيح وزائف. وينبغي أن نتجمل بالتواضع، فنحن نجهل ما إذا كنا سنتوصل يوما من الأيام إلى الكشف عن طبيعتنا بأكملها. ولكن إعلان الهزيمة قبل مجرد القيام بالمحاولة أمر ينافي رأي أرسطو بأن البشر يحبون إلى أبعد الحدود الاطلاع على كُنه طبيعتهم الخاصة.

 

مبررات التفاؤل(***)

يتطلب اقتراحي حول حل لغز العقل الواعي تجزئة المشكلة إلى جزأين، يتناول أولهما الطريقة التي نولد بها ما أسميه فيلما (مسلسل صور متحركة) في الدماغ movie-in-the-brain. وهذا «الفيلم» هو كناية عن التركيبة المتوالفة والمتكاملة للمُدركات الحسية المتنوعة (الإبصارية والسمعية واللمسية والشمية وغيرها) التي تؤلف ذلك العرض المتعدد الوسائط الذي نسميه العقل. أما الجزء الثاني فيتناول الذات the self والكيفية التي نولد بها أوتوماتيكيا حس ملكية ذلك الفيلم في الدماغ. هذا ويترابط جزآ المشكلة بحيث يستقر الجزء الأخير في صلب الجزء الأول. ويعد الفصل بينهما استراتيجية مفيدة للبحث، لكون كل من الجزأين يتطلب حلا خاصا به.

 

لطالما حاول علماء الأعصاب، بشكل غير مقصود، حل جزء «الفيلم في الدماغ» من مشكلة العقل الواعي طوال معظم تاريخ هذا المجال. وقد بدأت المساعي الجدية لرسم خريطة المناطق الدماغية الضالعة ببناء ذلك الفيلم منذ قرن ونصف القرن تقريبا حينما اقترح <P.بروكا> و <C. ڤيرنيكه> لأول مرة أن مناطق الدماغ المختلفة تدخل في معالجة processing النواحي اللغوية المختلفة. وحديثا بدأت هذه الجهود تؤتي ثمارا سخية بفضل الابتكار على الدوام لتجهيزات متقنة.

 

يستطيع الباحثون الآن أن يسجلوا بشكل مباشر النشاط المنبعث في عصبون وحيد أو في مجموعة عصبونات، ومن ثم ربط ذلك النشاط بجوانب حالة ذهنية نوعية ما مثل إدراك اللون الأحمر أو الخط المنحني. وتكشف تقانات التصوير الدماغي (مثل صور البث المقطعي الپوزيتروني PET وصور التجاوب (الرنين) المغنطيسي الوظيفي fMR) كيفية انشغال المناطق الدماغية المختلفة في الشخص الحي السوي نتيجة قيامه بجهد ذهني معين (مثل الربط بين كلمة ما وشيء ما، أو تعرف أحد الوجوه). ويستطيع الباحثون أن يحددوا كيفية اشتراك الجزيئات molecules الموجودة ضمن الدارات العصبونية المجهرية في تحقيق مثل هذه المهام الذهنية المتنوعة، كما أنهم يستطيعون تحديد الجينات الضرورية لإنتاج وتوظيف تلك الجزيئات.

 

لقد تسارع التقدم أكثر من أي وقت مضى منذ أن قدم<H.D .هوبل>و<T.ويزل> [من جامعة هارڤارد] أول دالة عن كيفية تمثيل الدارات الدماغية لشكل معين ما، وذلك عن طريق إثباتهما تآلف عصبونات في القشرة المخية الإبصارية الأولية للاستجابة لحواف edges موجهة في زوايا متنوعة. وبعد ذلك أظهر هوبل و<S.M.ليڤينگستون> [من جامعة هارڤارد أيضا] أن عصبونات أخرى غيرها في القشرة المخية الإبصارية الأولية تستجيب بشكل انتقائي للون دون الشكل. وقد وجد <سمير زكي> [من جامعة لندن] أن المناطق الدماغية التي استقبلت المعلومات الحسية بعد القشرة المخية الإبصارية الأولية تتخصص فعلا لمزيد من معالجة اللون أو الحركات. وبذلك قدَّمت هذه النتائج نسخة مطابقة للملاحظات التي تم الحصول عليها من المرضى المصابين بعلل عصبية: فالأذيات التي تصيب مناطق متميزة من القشرة المخية الإبصارية تشوش إدراك الألوان، في حين تُبقي على تعرف الأشكال والحركات سليما معافى.

 

وفي الحقيقة يشير كم كبير من الأبحاث الآن إلى وجود توافق بين بنية الشيء حسبما تراها العين ونموذج (طراز) pattern النشاط العصبوني المتولد داخل القشرة المخية الإبصارية لكائن يشاهد ذلك الشيء (انظر الشكل في الصفحة المقابلة).

 

لقد أفضى المزيد من التقدم الملحوظ فيما يخص نواحي «الفيلم داخل الدماغ» إلى مزيد من التبصرات المتعلقة بآليات التعلم والذاكرة. وبتوالٍ سريع كشفت الأبحاث عن أن الدماغ يستعمل منظومات منفصلة في الأنماط المختلفة من التعلم. فالنوى القاعدية basal ganglia والمخيخ، على سبيل المثال، ضروريان بشكل حاسم لاكتساب المهارات (مثل تعلم ركوب الدراجة الهوائية أو العزف على آلة موسيقية)، كما يعد الحصين hippocampus عضوا تكميليا لتعلم الحقائق المتعلقة بكينونات، مثل الناس والأمكنة والأحداث. وعندما تُسجل هذه الحقائق، فإن الذاكرة الطويلة الأمد long-term memory لتلك الحقائق تعتمد في مهمتها على منظومات دماغية متعددة المكونات تقع أقسامها الرئيسية في الساحات الدماغية الواسعة التي تعرف باسم القشرات المخية cerebral cortices.

 

علاوة على ذلك، فإن السيرورة التي يتم بواسطتها ترسّخ الحقائق المتعلَّمة جديدا في الذاكرة الطويلة الأمد تتخطى العمل المكتمل للحصينين والقشرتين المخيتين. فلا بد من حدوث سيرورات processes معينة على مستوى العصبونات والجزيئات كيما تنطبع الدارات العصبية ببصمات تلك الحقيقة المتعلمة الجديدة. وتعتمد خاصية الانطباع هذه على تقوية أو إضعاف اتصالات التماس بين العصبونات التي تدعى المشابك synapses. ويفيد صاحبا مكتَشفٍ مثير حديث هما<R.E. كاندل> [من جامعة كولومبيا]و<P.T.تولّي> [من مختبر گولد سپرنگ هابر] بأن عملية الطبع impressing تتطلب تركيب پروتينات طازجة تستند بدورها إلى إسهام جينات نوعية داخل العصبونات تتولى تدعيم الذاكرة المُرسخة.

 

تستمر العلوم العصبية في الربط بين بنى دماغية معينة ومهام وظيفية نوعية. ويُلقي الشكلان (a) و (b) ضوءا على بعض مناطق اللغة، في حين يبين الشكل (c) منطقتي معالجة الألوان (بالأحمر) ومعالجة الوجوه (بالأخضر). أما حس المرء بجسمه الخاص فيعتمد على المنطقة الظاهرة في الشكل (d).

 

وهذه التوضيحات الوجيزة للتقدم يمكن توسيعها باكتشافات أخرى مستوحاة من دراسة اللغة والانفعال واتخاذ القرار. وأيا كانت الوظيفة الذهنية التي نتفحصها، فإنه يمكن تحديد أقسام دماغية متميزة تسهم في تكوين وظيفة ما بالعمل يدا واحدة؛ فثمة توافق وثيق بين ظهور حالة أو سلوك عقلي ما وبين النشاط في مناطق دماغية مختارة. ويمكن أن يتأسس ذلك التوافق بين منطقة قابلة للتحديد ماكروسكوبيا (عيانيا) (مثل القشرة المخية الإبصارية الأولية أو باحة ذات صلة باللغة أو نواة ذات صلة بالانفعال) وبين الدارات العصبونية الميكروسكوبية (المجهرية) التي تؤلف تلك المنطقة.

 

والأكثر إثارة هو أن هذه النجاحات المثيرة للإعجاب في دراسة الدماغ ليست إلا مجرد بداية. فالتقانات التحليلية الجديدة تحسن باستمرار مقدرتنا على دراسة الوظيفة العصبية على المستوى الجزيئي وعلى تحري الظواهر المعقدة الراقية ذات المقياس الكبير الناشئة عن الدماغ كلّه. والاكتشافات في هذين المجالين ستعمل دائمًا تقابلات أدق بين الحالات الدماغية والحالات الذهنية، بين الدماغ والعقل. وفيما تتطور التقانة وتتنامى عبقرية الباحثين فإن حبكة التفاصيل الدقيقة للبنى الفيزيائية والفعاليات البيولوجية التي تؤلف «الفيلم في الدماغ» ستزداد وضوحا بالتدريج.

 

مجابهة الذات(****)

إن زخم البحوث الحالية حول العلوم العصبية الاستعرافية cognetive والتراكم المكثف للوقائع القوية قد يقنع العديد ممن تساورهم الشكوك بإمكانية تحديد الأساس العصبي «للفيلم في الدماغ»، ولكنَّ هؤلاء المشككين سيجدون صعوبة في قبول اعتبار الجزء الثاني من مشكلة العقل الواعي (والمتمثل في انبثاق حس الذات) محتمل الحل على الإطلاق. ومع أنني أسلم بأن حل هذا الجزء من المشكلة غير واضح بحال من الأحوال، فقد جرى اقتراح حل جائز كذلك، ويجري الآن اختبار فرضية في هذا الشأن.

 

يحتل حس الذات مقعدا له في لب الدماغ. ويظهر تقشير التشريح الخارجي لدماغ الإنسان عدة مناطق واقعة في عمق الدماغ يُناط بها التنظيم الاستتبابي homeostatic regulation والانفعال واليقظة وحس الذات.

 

تستخدم الأفكار الرئيسية، التي ترتكز عليها هذه الفرضية، المقدرة التمثيلية representational ability الفذة للدماغ. فالخلايا الكائنة في الكلية أو الكبد تؤدي الأدوار الوظيفية الموكلة إليها ولا تمثل أية خلايا أو وظائف أخرى غيرها. أما خلايا الدماغ فإنها، وفي جميع مستويات الجهاز العصبي، تمثّل كينونات أو أحداث تجري في مكان آخر من المتعضية organism. فالخلايا الدماغية موكول إليها في تصميمها أن تمثل أشياء وأفعالا أخرى؛ فهي رواسم cartographers بالفطرة لجغرافية المتعضية وما يجري داخل تلك الجغرافيا من أحداث. وإن ما يتردد كثيرا عن لغز العقل القصدي intentional mind بالنسبة إلى تمثيل الأشياء الخارجية، فقد ثبت أنه ليس لغزا على الإطلاق. ويتبدد اليأس الفلسفي الذي يحيط بعقبة القصدية intentionality ـ الملمح إليها سابقا (والمتعلقة بسببية تمثيل الحالات الذهنية للانفعالات الداخلية وللتآثرات interactions مع الأشياء الخارجية) إذا ما درس الدماغ في السياق الدارويني: بمعنى أن التطور كوّن دماغا مهمته التمثيل المباشر للمتعضية والتمثيل غير المباشر لكل ما تتآثر معه المتعضية.

 

وهنا تقودنا القصدية الطبيعية للدماغ إلى حقيقة راسخة أخرى: فالدماغ يمتلك في بنيته أدوات مصممة لتدبير حياة المتعضية على نحو تبقى فيه الموازين الكيميائية الداخلية [الضرورية جدا للبقاء على قيد الحياة (للبُقْيا)] مصونة في جميع الأوقات. وهذه الأدوات ليست افتراضية ولا نظرية (تجريدية)، بل أدوات مقامة في لبّ الدماغ حيث جذع الدماغ brain stem والوطاء hypothalamus. كذلك تقوم الأدوات الدماغية التي تنظم regulate الحياة، بحكم الضرورة، بتمثيل حالات المتعضية المتغيرة باستمرار أثناء حدوثها. وبكلمات أخرى، فإن الدماغ يمتلك وسائل طبيعية لتمثيل كل من بنية المتعضية الحية بأكملها وحالتها.

 

ولكن كيف يمكن الانتقال من مثل هذه الذات البيولوجية إلى حس ملكية المرء لأفكاره، الحس بأن أفكاره تُبنى في منظوره الخاص به. ثم كيف يمكن للمرء أن يعرف ما يخص ذاته وما يخص محيطه؟ لقد حاججت في كتابي "The Feeling of What Happens" بأن الأساس البيولوجي لحس الذات يمكن أن يوجد في تلك الأدوات الدماغية التي تمثل لحظة بلحظة استمرارية continuity المتعضية الفردية نفسها.

 

وببساطة، تقترح فرضيتي بأن الدماغ يستعمل بنى معدة لرسم خريطة المتعضية والأشياء الخارجية كليهما بغية تكوين تمثيل حي من المرتبة الثانية. ويشير هذا التمثيل إلى أن المتعضية، مثلما هي مرسومة في الدماغ، تضطلع بالتآثر مع شيء مرسوم أيضا في الدماغ. ولا يعد هذا التمثيل من المرتبة الثانية أمرا تجريديا، إذ إنه يحدث في بنى عصبية مثل المهاد thalamus والقشرة المخية الحزامية.

 

تضيف مثل هذه المعارف المصوغة حديثا معلومات مهمة إلى السيرورة العقلية المُتنشِّئة. وعلى وجه التخصيص، فإنها تعرض ضمن السيرورة العقلية، المعلومات التي تفيد بأن المتعضية هي مالكة هذه السيرورة، وتتطوع للإجابة عن سؤال لم يسبق طرحه البتة: لمن يحدث هذا؟ وهكذا يتكون حس الذات في فعل التعرف، ويشكل ذلك أساس مفهوم ال«أنا» الذي يتميز به العقل الواعي.

 

ومرة أخرى تتوضح من منظور تطوري ضرورة حس الذات، انطلاقا من قول زوجة ويلّي لومان في كتاب آرثر ميلّر بعنوان Death of a Salesman: «يجب الانتباه!». لنتخيل متعضية تعي ذاتها مقابل متعضية من النمط نفسه تفتقر إلى وعي الذات: فالمتعضية التي تعي ذاتها لديها حافز للاهتمام بإشارات التحذير التي يوفرها «الفيلم في الدماغ» (مثل الألم الذي يسببه شيء معين) ومن ثم التخطيط لتفادي مثل هذا الشيء مستقبلا. وهكذا يمنح تطور الذات وعيا يُعدّ بوضوح مزية لصالح البقاء على قيد الحياة.

 

وإذا وضعنا استعارة الفيلم (مسلسل الصور المتحركة) نصب أعيننا، فإن حلي لمشكلة العقل الواعي يتمثل في أن حس الذات في فعل الاطلاع act of knowing إنما ينبثق داخل الفيلم. ويكون شعور الذات self-awareness في الواقع جزءا من الفيلم، وهكذا يكوّن داخل الإطار نفسه، «المنظور والناظر» the seen and the seer و«الفكر والمفكر» the thought and the thinker. فلا يوجد متفرج منفصل للفيلم في الدماغ. وتُبنى فكرة المتفرج ضمن ذلك الفيلم . فالسيرورات الدماغية الموضوعية تحبُك ذاتية العقل الواعي من خيوط نسيج الخريطة الحسية. ولما كان معظم الرسم الخرائطي الحسي الأساسي يتصل بحالات الجسم ويُصوّر كمشاعر، فإن حس الذات في فعل الاطلاع ينبثق كنوع خاص من الشعور feeling ـ الشعور بما يحدث في المتعضية أثناء فعل التآثر مع شيء ما.

 

المستقبل(*****)

قد أكون أحْمَقَ لو تنبأت بما يمكن أو لا يمكن اكتشافه، أو بالزمن الذي قد يُكتشف فيه شيء من هذا القبيل، أو بالمسار الذي يتخذه اكتشاف ما. ولكن ربما كان مأمونا القول إنه بحلول عام 2050 ستمحو المعارف الوافية للظواهر البيولوجية أشكال الفصل التقليدية الاثنينية dualistic للدماغ/الجسد، والعقل/الجسد، والعقل/الدماغ.

 

قد يخشى بعض المراقبين أن يؤدي استجلاء البنية الفيزيائية لشيء ثمين وجليل مثل عقل الإنسان إلى الحط من منزلته أو حتى تلاشيه كليا. ولكن شرح أصول وفعاليات العقل على أساس بيولوجي لن يُلغي العقل، بل يمكن أن يمد ما نحمله له من روع ليشمل البنية الميكروية (الصغرية) المذهلة للمتعضية والوظائف البالغة التعقيد التي تتيح لمثل هذه البنية الميكروية توليد العقل. وبفهمنا للعقل في مستوى أعمق، فإننا سنرى فيه أعقد مجموعة للظواهر البيولوجية في الطبيعة، بدلا من كونه لغزا من طبيعة غير معروفة. وسيبقى العقل ماثلا بعد تفسيره، تماما مثلما يبقى عطر الوردة فواحا بطيب الرائحة بعد استنباطنا بنيته الجزيئية.

 


 المؤلف

Antonio R. Damasio

أستاذ كرسي<W.M. ڤان ألن> المشهور ورئيس قسم طب الجهاز العصبي في كلية طب جامعة أيوا وأستاذ ملحق في معهد سولك للدراسات البيولوجية في ساندييگو. ولد في البرتغال وحصل على الدكتوراه من جامعة لشبونة. وبالاشتراك مع زوجته هنّا Hanna أوجد داماسيو مِرْفقًا في أيوا كرّسه لبحوث الاضطرابات الطبية العصبية المتعلقة بالعقل والسلوك. وإضافة إلى كونه عضو المعهد الطبي التابع للأكاديمية الوطنية للعلوم وعضو الأكاديمية الأمريكية للآداب والعلوم، فقد ألف في عام 1994 كتاب الخطأ الديكارتي: الانفعال والتفكير والعقل البشري Emotion, Reason, and the Human Brain:Descartes Error، كما ألف كتابه الجديد بعنوان: الشعور بما يحدث The feeling of what happens.

 


مراجع للاستزادة 

EYE, BRAIN, AND VISION. DAVID H. HUBEL. Scientific American Library (W. H. Free man), 1988.

THE REDISCOVERY OF THE MIND. John R. Searle. MIT Press, 1992.

BRIGHT AIR, BRILLIANT FIRE: ON THE MATTER OF'I'HE MIND. Gerald M. Edelrnan. Basic Books, 1993.

THE ENGINE OF REASON, THE SEAT OF THE SOUL: A PHILOSOPHICAL JOURNEY INTO THE BRAIN. Paul M. Churchland. MIT Press, 1995.

THE FEELING OF WHAT HAPPENS: BODY AND EMOTION IN THE MAKING OF CONSCIOUSNESS. Antonio R. Damasio. Harcourt Brace, 1999.

Scientific American, December 1999

 


(*) How the Brain Creates the Mind

(**) Evaluating The Difficulties

(***) Reasons of Optimism

(****) Confronting the Self

(*****) The Futuer

 

(0) تعليقات


Add a Comment



Add a Comment

<<Home